يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
476
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
حدث عوف بن أبي جميلة الأعرابي قال : كان الحسن ابنا لجارية لأم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فبعثت أم سلمة جاريتها في حاجتها ، فبكى الحسن بكاء شديدا ، فرقت عليه أم سلمة ، فأخذته فوضعته في حجرها وألقمته ثديها ، فأدرّ عليه فشرب منه ، فكان يقال : إن المبلغ الذي بلغه الحسن من الحكمة بذلك اللبن الذي شرب من أم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم . وممن وصفه بالحزن علقمة بن مرثد رحمه اللّه ، قال : أما الحسن بن أبي الحسن فما رأينا أحدا من الناس كان أطول حزنا منه ، ما كنا نراه إلا أنه حديث عهد بمصيبة ، وكان يقول : نضحك ولا ندري لعل اللّه قد اطلع على بعض أعمالنا فقال : لا أقبل منها شيئا ، ويحك يا ابن آدم هل لك بمحاربة اللّه طاقة ، إنه من عصى اللّه فقد حاربه ، واللّه لقد أدركت سبعين بدريا أكثر لباسهم الصوف ، لو رأيتهم قلت مجانين ، ولو رأوا خياركم قالوا : ما لهؤلاء من خلاق . ولو رأوا شراركم لقالوا : ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب . ولقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه . ولقد رأيت أقواما يمسي أحدهم ولا يجد عنده إلا قدر ما يكفيه ، فيقول : لا أجعل هذا كله في بطني ، لأجعلن بعضه للّه عز وجل ، فيتصدّق ببعضه وإن كان هو أحوج ممن تصدّق عليه . زاد غيره : واللّه لقد أدركت أقواما ما طوى لأحدهم في بيته ثوب قط ولا أمر في أهله بصنيعة طعام قط ، وما جعل بينه وبين الأرض شيئا قط ، وإن أحدهم ليقول : وددت أني آكل أكلة تصير في جوفي مثل الآجرة . قال ويقول : بلغنا أن الآجرة تبقى في الماء ثلاثمائة سنة . ولقد أدركت أقواما إن كان أحدهم ليرث المال العظيم ، قال : وإنه لمجهود شديد الجهد ، قال فيقول لأخيه : يا أخي إني قد علمت أن ذا ميراث وهو حلال ، ولكني أخاف أن يفسد عليّ قلبي وعملي ، فهو لك ولا حاجة لي فيه ، قال : فلا يرزأ أمنه شيئا أبدا . زاد غيره : واللّه لقد صحبنا أقواما كانوا يقولون : ليس لنا في الدنيا حاجة ليس لها خلقنا ، وكان يقول : أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه ، وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا قط . قال : وكان إذا أراد النوم باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه . ثم ذكر تفاوت الزاهدين ولأي شيء زهدوا ، فقال : منهم من زهد حياء من اللّه تعالى ، ومنهم من زهد خوفا من اللّه ، ومنهم من زهد رجاء موعود اللّه ، ومنهم من زهد مسارعة منه لأمر اللّه ، ومنهم من زهد حبا لأمر اللّه ، ومنهم من زهد حبا للّه وهو أعلاهم ،